المؤلفون: الدكتورة راشيل صليبا ، الأستاذة مها شعيب ، الأستاذة كاثرين برون
موجز سياساتي: محللة1 وتعزيز صمود نُظُم التعليم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – دروس مستفادة من مصر والأردن ولبنان وتونس واليمن
-
المقدمة والسياق:
تواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سلسلة من الأزمات المتراكمة التي تختبر باستمرار قدرة نُظُم التعليم على التكيّف والتعافي. فمن النزاعات الممتدة والنزوح إلى عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، والضغوط البيئية، وجائحة كوفيد-19، كشفت هذه الاضطرابات عن نقاط ضعف هيكلية عميقة في حوكمة التعليم وتمويله وتحقيق الإنصاف فيه. وفي هذا السياق، برزت نقاشات حول صمود نُظُم التعليم، تركز على كيفية تمكين هذه النُظُم من الاستجابة بصورة أفضل للصدمات والاضطرابات الحالية والمستقبلية.
وبينما يستند مفهوم صمود نُظُم التعليم إلى مقاربات راسخة تتعلق بالمخاطر والأزمات وإصلاح التعليم، فإن تأطيره في السياسات العالمية غالبًا ما يظل تجريديًا ومدفوعًا بعوامل خارجية. وعبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، روّجت المنظمات الدولية للصمود كمبدأ توجيهي، مع التركيز على التكيّف وكفاءة النُظُم. غير أن هذه التأطيرات تميل إلى إغفال المعاني المتجذّرة محليًا لمفهوم الصمود. وفي اللغة العربية، توجد عدة ترجمات لكلمة “resilience”. وأكثر المصطلحات شيوعًا هما المرونة (التي تشير إلى التكيّف والتعامل مع الأزمات)، والصمود (الذي يحمل دلالات سياسية وثقافية وأخلاقية مرتبطة بالعدالة والتحمّل الجماعي والقدرة على الاستمرار).
ويندرج هذا البحث ضمن مبادرة المرصد المعني بصمود نُظُم التعليم التابعة لبرنامج تبادل المعرفة والابتكار في الشراكة العالمية من أجل التعليم (GPE KIX)، ويقوده مركز الدراسات اللبنانية، حيث درس كيفية تصوّر صمود نُظُم التعليم وتطبيقه في خمسة بلدان شريكة للشراكة العالمية من أجل التعليم في المنطقة وهي: مصر، والأردن، ولبنان، وتونس، واليمن. ومن خلال تحليل استراتيجيات التعليم الوطنية والخطط والإصلاحات منذ عام 2011، نقوم بتقييم كيفية إدراج الصمود في التخطيط والحوكمة والتنفيذ، وعلاقته بالشمول والإنصاف والتحول. ويقدم هذا الموجز السياساتي عرضًا عامًا لنتائج الدراسة وتوصياتها الموجهة إلى الحكومات المحلية في البلدان الخمسة، وكذلك إلى الجهات المانحة الدولية.
-
الخطاب: التغلب على الحواجز النظامية أمام التعليم التحويلي في بلدان الشراكة العالمية من أجل التعليم (GPE) بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
تسلط الأدلة التي جُمِعت من خلال الدراسة الضوء على مجموعة من الأنماط والقيود النظامية التي تحدد مجتمعةً حالة صمود نُظُم التعليم في البلدان الخمسة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابعة للشراكة العالمية من أجل التعليم.
أ. الصمود (القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها): صمود تكيّفي لا تحويلي
أعدّت البلدان الخمسة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابعة للشراكة العالمية من أجل التعليم، التي تناولتها هذه الدراسة، خططًا للطوارئ والاستجابة، ولا سيما استجابةً لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)؛ إلا أن هذه الخطط تظل تفاعلية في طبيعتها إلى حد كبير. وتُركز السياسات على التكيّف (“العودة إلى الوضع السابق“) بدلًا من التحوّل. وتَحُد أوجه انعدام المساواة الهيكلية والقيود السياسية من الجهود المبذولة لمعالجة الأسباب الجذرية للهشاشة. ونتيجةً لذلك، غالبًا ما تتم مساواة الصمود والقدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها بالاستمرارية قصيرة الأجل بدلًا من التغيير المنهجي. وخلال جائحة فيروس كورونا، نفذت تونس تدابير طارئة للتعلّم عن بُعد للحفاظ على استمرارية التعليم، في حين استمرت إلى حد كبير في الاعتماد على المخطط الاستراتيجي لقطاع التربية 2016-2020 القائم مسبقًا بوصفه إطارها السياسي الرئيسي، مع إدخال تعديلات محدودة فقط لمعالجة الأزمة. ونتيجةً لذلك، خضعت الخطة في المقام الأول لتعديلات سطحية، دون تحولات جوهرية في السياسات أو تخطيط طويل الأجل يهدف إلى تعزيز صمود النظام التعليمي في مواجهة الصدمات والأزمات المستقبلية. وبالتوازي مع ذلك، وُضِعت خطة للتأهب والاستجابة لجائحة فيروس كورونا بالتنسيق مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)؛ غير أنها ركزت في الغالب على الانتعاش الاقتصادي، مع تركيز محدود نسبيًا على الاستجابات الخاصة بالتعليم.
وعمومًا، في جميع البلدان الخمسة، ركزت خطط واستراتيجيات التعليم حصرًا على الأزمات وإدارتها (قصيرة الأجل) وحدها، مما يقوّض مسيرة التنمية. وهكذا، يعكس هذا النهج السائد مفهوم “المرونة” (التكيف)، في حين أن المعنى الأعمق لمفهوم “الصمود” (العزم والثبات والعدالة والتحمل الجماعي والقدرة على البقاء)، وهو ضروري للتنمية طويلة الأجل، يغيب إلى حد كبير عن أطر السياسات.
ب. نحو صمود متجذّر محليًا: تجاوز حدود الأجندات الخارجية
أُدخِلت القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها إلى حد كبير في سياسات التعليم بوصفها أجندة خارجية تخطط لها وتقودها منظمات دولية. وتُصاغ العديد من الاستراتيجيات الوطنية باللغة الإنجليزية (وبعضها لا تتوفر له ترجمة عربية) وتُروِّج لها أجندات دولية بدلًا من الاحتياجات المحلية. وقد أدى ذلك إلى خلق ما أشار إليه أندروز وآخرون (2017) بمصطلح “المحاكاة الشكلية“، وهو شكل من أشكال استعارة السياسات يعكس الخطاب العالمي دون إضفاء الطابع المؤسسي عليه محليًا. ويؤدي هذا التوجه الخارجي إلى خلق شعور بعدم التوافق، بل والانفصال، بين الأطر العالمية والواقع المحلي، مما يسفر عن محدودية المبادرة والقيادة على الصعيد المحلي، وضعف الاستدامة، وتدني مستوى تطور القدرات الوطنية. ونتيجةً لذلك، غالبًا ما تُخفق القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها في التوافق مع السياقات السياسية والثقافية واللغوية لبلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وثمة حاجة مُلحّة لمحللة خطاب وممارسة القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها على حد سواء، وإعادة تأطيرها بطرق ذات مغزى محلي وترسيخها في المفاهيم المحلية للعدالة والتحوّل.
على سبيل المثال، تشير استراتيجية وزارة التربية والتعليم الأردنية لإدارة الأزمات والمخاطر (2023-2027) إلى أنها وُضِعت لتتوافق مع الاتجاهات العالمية في التعامل مع الأزمات. وقد استُرشِد في إعداد الاستراتيجية بالتحالف العالمي للحد من مخاطر الكوارث وتعزيز القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها في قطاع التعليم (GADRRRES)، وهو منصة دولية تدعو إلى تعزيز حقوق الأطفال والقدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها والاستدامة في التعليم، ما جعلها تستند بشكل كبير إلى أطر ومبادئ عالمية. ونتيجةً لذلك، تعكس الخطة الوطنية في المقام الأول تصوّرات مؤطّرة دوليًا للصمود، بدلًا من التفسيرات المتجذّرة في السياقات المحلية والواقع المُعاش.
ج. انعدام المساواة وإمكانية الحصول على التعليم وتنامي التعليم الخاص
لا تزال إمكانية الحصول على التعليم الجيد تتسم بانعدام المساواة بشدة. وتواجه المناطق الريفية والمجتمعات ذات الدخل المنخفض واللاجئون والأطفال ذوو الإعاقة حواجز مستمرة تحول دون إمكانية الحصول على التعليم الجيد. وقد تفاقم انعدام المساواة هذا بفعل التوجه المتزايد نحو خصخصة التعليم في جميع أنحاء المنطقة. وفي ظل الصعوبات التي تواجهها النُظُم العامة في توفير تعليم جيد وشامل للجميع، تلجأ الأسر على نحو متزايد إلى المدارس الخاصة لسد هذه الفجوة. غير أن عجز الدولة عن تنظيم التعليم الخاص أو تمويله يزيد من تفاقم انعدام الإنصاف، مما يؤدي إلى انقسام في إمكانية الحصول على التعليم بناءً على الوضع الاجتماعي والاقتصادي. إن التوسع في التعليم الخاص، وإن كان يقدم بدائل قصيرة الأجل، فإنه يقوّض التعليم بوصفه منفعة عامة ويضعف مسؤولية الدولة عن ضمان إمكانية الحصول المُنصِف لجميع المتعلمين، مما يضعف بالتالي قدرة قطاع التعليم العام على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها ويوسّع نطاق انعدام المساواة. ففي مصر، على سبيل المثال، يشهد قطاع المدارس الخاصة والدروس الخصوصية تناميًا مستمرًا، مما يؤدي إلى زيادة انعدام المساواة بين الطلاب. ونتيجة لذلك، تستمر أوجه انعدام المساواة الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية العميقة في نظام التعليم في مصر، مع وجود تفاوتات كبيرة في إمكانية الحصول على التعليم وإتمامه، ولا سيما للفتيات الريفيات الفقيرات، وهو ما يتفاقم بسبب التفاوت في إمكانية الوصول إلى التعلّم الرقمي ومحدودية تفعيل الالتزامات المتعلقة بالشمول ضمن خطط التعليم وأطر الاستمرارية في حالات الطوارئ.
د. مركزية الحوكمة وتجزؤ السياسات
لا تزال حوكمة التعليم في البلدان الخمسة تتسم بمركزية شديدة، مما يؤدي إلى الجمود البيروقراطي وتأخر التنفيذ. وفي مصر وتونس، تَحُد الهياكل الإدارية الهرمية من الابتكار والاستجابة. وفي لبنان، أدى تجزؤ الحوكمة، مدفوعًا بعدم الاستقرار السياسي وانقسام السلطات، إلى إنشاء نُظُم موازية تعتمد اعتمادًا كبيرًا على تمويل المانحين. وقد أسفر ذلك عن ضعف التنسيق، وتداخل الاستراتيجيات، والاعتماد المفرط على الشركاء الدوليين في تصميم السياسات والتمويل. وفي اليمن، أدى النزاع المطوّل إلى تجزؤ حوكمة التعليم بين السلطات المتنافسة، مما قوض التنسيق والتماسك، وعقّد مشاركة المانحين، وأضعف الكفاءة والمساءلة، وأسفر عن خليط غير متجانس من المبادرات الموازية بدلًا من نظام تعليم عام موحد.
وتؤكد قيود الحوكمة هذه أهمية استراتيجيات القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها التي تتسم بالمشاركة والشفافية والخضوع للمساءلة، وتُشرِك أصحاب المصلحة المحليين بصورة هادفة. ومن شأن هذه العمليات الشاملة للجميع أن تعزز التنسيق، وتعيد بناء الثقة، وتضمن تجذّر الإصلاحات على أرض الواقع محليًا.
هـ. النقص المزمن في التمويل والقيود المفروضة على الموارد
لا يزال تمويل التعليم يمثل تحديًا رئيسيًا. يبلغ متوسط الإنفاق العام على التعليم أقل من 3% من الناتج المحلي الإجمالي (GDP) في معظم الحالات، وهو أقل من المعايير الدولية البالغة 4-6%. على سبيل المثال، في لبنان، وعلى الرغم من تلقي أكثر من 2.5 مليار دولار أمريكي في شكل مساعدات للتعليم بين عامي 2011 و2021، استمر الإنفاق العام على التعليم في البلاد في التراوح حول 1.8% من الناتج المحلي الإجمالي. وقد أدى هذا النقص المزمن في الاستثمار إلى توسيع نطاق انعدام المساواة، وتآكل دافعية المعلمين، وتقييد تعافي النظام. وقد سدّت المساعدة الدولية الفجوات الفورية لكنها لم تعزز القاعدة المالية أو تمكّن من اتخاذ إجراءات سياساتية مستقلة. وعلاوة على ذلك، ففي مصر وتونس والأردن، ومن بين المبالغ المُخصَّصة للتعليم، تُنفَق حصة غير متناسبة من الميزانيات الوطنية على الرواتب، مما لا يترك سوى القليل للبنية التحتية، أو التكنولوجيا، أو التطوير المهني للمعلمين. ويحول هذا الخلل المالي دون تنفيذ استراتيجيات طويلة الأجل للقدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها. على سبيل المثال، أصبح تمويل التعليم في اليمن يعتمد على الخارج اعتمادًا كبيرًا مع انخفاض مخصصات الميزانية الوطنية وسط الانهيار المالي، مما خلّف قطاعًا يمكنه العمل على المدى القصير ولكنه يفتقر إلى القدرة على التخطيط الاستراتيجي أو التمويل الذاتي. ويتعزز هذا الاعتماد نتيجة ضعف توليد الإيرادات المحلية وغياب اللامركزية المالية الفعالة لاستدامة المدارس المحلية إلى ما بعد فترة المشروعات الممولة من المانحين.
-
التوصيات
تكشف النتائج عن الحاجة إلى إعادة النظر في القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها في التعليم للابتعاد عن الأجندة التكنوقراطية أو تلك التي يوجهها المانحون، والتوجه نحو عملية تحويلية متجذّرة في العدالة والشمول والقدرة المحلية على الفعل. ويجب على الحكومات المحلية والأطراف الفاعلة الدولية مراعاة الأولويات التالية:
أ. من التكيف إلى التحول: إعادة تعريف الصمود والقدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها من أجل تعليم شامل للجميع
ينبغي لواضعي السياسات توسيع نطاق مفهوم الصمود والقدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها ليتجاوز الاستمرارية قصيرة الأجل والتكيف مع الأزمات، ليشمل التنمية والاستدامة. ويجب أن تعالج إصلاحات التعليم الأسباب الهيكلية والسياسية للهشاشة، مثل انعدام المساواة والإقصاء وضعف الحوكمة، بحيث تؤدي القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها إلى تحول حقيقي بدلًا من مجرد استقرار رمزي. وعلاوة على ذلك، ينبغي للسياسات أن تتصور القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها بوصفها مسارًا متصلًا يربط بين “المرونة” (التكيف) و“الصمود” (العزم والثبات). ويُقر هذا التأطير بأن القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها تتسم بالديناميكية، مما يتطلب المرونة في مواجهة الصدمات والمثابرة في السعي لتحقيق التغيير المنهجي والعدالة الاجتماعية.
وفضلًا عن ذلك، تعتمد القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها على الشمول والعدالة. وينبغي لواضعي السياسات إيلاء الأولوية للسياسات التي تركز على الإنصاف والتي توسع نطاق إمكانية حصول الفئات المهمشة على التعليم، وتعزز المساواة بين الجنسين، وتضمن استفادة جميع المتعلمين من تعليم آمن وعالي الجودة وملائم.
ب. محللة أجندات الصمود وتعزيز القيادة المحلية:
يجب على واضعي السياسات على الصعيدين الوطني والمحلي استعادة الدور القيادي في أجندة القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها لضمان تجذّرها في الأولويات المحلية، والسياقات الاجتماعية والثقافية، والتجارب المجتمعية. وينبغي أن تنبثق استراتيجيات القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها من عمليات تشاركية تتسم بالشفافية والتمثيل وتخضع للمساءلة، وتُشرِك أصحاب المصلحة المحليين بصورة هادفة في تحديد الأهداف ورسم مسارات الإصلاح.
وفي الوقت ذاته، ينبغي للشركاء الدوليين ووكالات التنمية إعادة تقييم أدوارهم ومشاركتهم للانتقال من الدور التوجيهي إلى الدور الداعم. رغم الإقرار بأن تعزيز القيادة المحلية بشكل كامل قد يظل مقيدًا بالتبعيات الهيكلية وديناميكيات المعونة، فإن إعادة التوازن إلى الشراكة أمر ضروري وممكن في آن واحد. وينبغي لمساهماتهم إيلاء الأولوية لتعزيز القدرات المحلية، والحوكمة المؤسسية، واستقلالية السياسات. ويجب أن تتماشى المساعدة الفنية والمالية مع الرؤى والأولويات المحددة وطنيًا، مما يعزز القيادة المحلية ويكرّس استدامة السياسات.
ج. إدماج القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها: من الخطاب إلى التنفيذ المنهجي
ينبغي إدماج القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها ضمن الأطر الوطنية لإصلاح التعليم، ودورات التخطيط، وعمليات إعداد الميزانيات، بدلًا من التعامل معها كآلية للاستجابة للطوارئ. ويتضمن ذلك إنشاء هياكل حوكمة وآليات مساءلة تحافظ على استدامة جهود الإصلاح لما بعد الأزمات.
وبالمثل، لا ينبغي إدراج القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها في استراتيجيات وخطط وإصلاحات التعليم لمجرد التوافق مع أجندات المانحين أو تأمين التمويل. وبدلًا من التعامل مع القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها بوصفها مطلبًا خطابيًا أو مدفوعًا بالتمويل، يجب على واضعي السياسات ضمان تنفيذها الفعلي من خلال تدابير ملموسة لتعزيز النظام. ويستلزم ذلك تعزيز الحوكمة والقدرات المؤسسية من خلال اللامركزية، وتقوية التنسيق بين الوزارات، وإدماج تخطيط القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها ضمن أطر التعليم. كما يشمل تعزيز النظام إصلاح المناهج الدراسية لتعزيز الشمول والتماسك الاجتماعي والتفكير النقدي، مدعومًا بنُظُم تقييم وطنية فعالة. وينبغي لاستثمارات البنية التحتية أن تضمن بيئات تعلم آمنة وشاملة للجميع وقادرة على الصمود في وجه التغير المناخي، في حين تساعد الطرائق البديلة، مثل التعليم الرقمي والمجتمعي، في الحفاظ على الاستمرارية أثناء الاضطرابات. ويؤدي إشراك المجتمعات والشباب والمجتمع المدني في الحوكمة إلى تعزيز المساءلة والملاءمة، في حين يضمن مواءمة التعليم مع السياسات الأوسع نطاقًا للحماية الاجتماعية والصحة والعمل اتساق السياسات. وتُعد هذه التدابير ضرورة حتمية لتصبح القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها حقيقة واقعة وراسخة داخل نُظُم التعليم، لا مجرد شعار سياسي يبدو براقًا على الورق، ولكنه بعيد كل البعد عن التحقق عند التنفيذ.
-
الخاتمة
توضح الأدلة المستمدة من مصر والأردن ولبنان وتونس واليمن أن القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها، بصيغتها المُطبَّقة حاليًا، لا تزال ضيقة للغاية وتركز على الاستمرارية والتكيف بدلًا من التغيير المنهجي. وإذا تم تجاهل الأسباب الجذرية للهشاشة، فقد تصبح القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها رمزية بدلًا من كونها تحويلية.
وتقدم إعادة تأطير القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها بوصفها مسارًا متصلًا يربط بين “المرونة” (التكيف) و“الصمود” (العزم والثبات) مسارًا نحو إصلاح أكثر جدوى. ويجب أن تتجاوز القدرة الحقيقية على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها مجرد الاستمرارية لتشمل التحول: بناء نُظُم تعليم شاملة للجميع ومنصفة وقادرة على إرساء العدالة. وبالنسبة لواضعي السياسات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يعني ذلك استعادة أجندة القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها من المنظمات الدولية وإدماجها ضمن سياسات متجذّرة محليًا، وتشاركية، وذات رؤية مستقبلية.
وبالنسبة للحكومات المحلية والأطراف الفاعلة الدولية في المنطقة، فإن المهمة مُلحّة: إذ يجب محللة القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها، وإضفاء الطابعين الديمقراطي والمؤسسي عليها بوصفها مشروعًا إصلاحيًا طويل الأجل. وبالنسبة للشركاء الدوليين، يجب أن يتحول الدور من التوجيه إلى الدعم، لتمكين القيادات المحلية من تحديد الأولويات والمسارات. ولا يمكن للتعليم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن يكون محركًا للتغيير الاجتماعي إلا من خلال إعادة تأطير القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها بوصفها مسارًا متصلًا يربط بين التكيف والتحول.
1تُرجم مفهوم “Localization” إلى العربية بطرق متعددة في الأدبيات الإنسانية والتنموية. ومن أبرز الترجمات المستخدمة: التوطين، والمحلية، والتمكين المحلي، وتعزيز العمل المحلي، وتعزيز الطابع المحلي للعمل الإنساني. وقد أظهرت الأبحاث التي أجراها مركز الدراسات اللبنانية (CLS) حول ترجمة هذا المفهوم إلى العربية أن هذه المصطلحات تنطوي على دلالات وتفسيرات مختلفة، بعضها يحمل أبعاداً سياسية أو مؤسسية أو مفاهيمية قد لا تعكس بدقة المقصود من مفهوم Localization في السياق الإنساني والتنموي.
وعليه، يعتمد هذا الموجز مصطلح “المحللة“ للإشارة إلى مفهوم Localization، انسجاماً مع التوجه المفاهيمي الذي يتبناه مركز الدراسات اللبنانية، والذي يركز على تعزيز القيادة والملكية والقدرة المحلية في تصميم الاستجابات الإنسانية والتنموية وتنفيذها.