نحو أفق أوسع من القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثار (Resilience): استعادة التعليم لدوره في التغيير التحويلي وصناعة الأمل

المؤلفتان: مها شعيب وكاثرين برون

أصبحت قدرة نظم التعليم على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها واحدة من الأجندات الجديدة التي تروج لها وكالات التنمية على وجه الخصوص، وصارت اليوم مطلبًا مفروضًا على حكومات بلاد الجنوب. غير أن القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها، حين تُؤطَّر أساسًا من خلال منظور الوكالات الإنسانية، تواجه خطر اختزالها إلى أداة قصيرة المدى لإدارة الأزمات، تعمل على امتصاص الصدمات، في أحسن الأحوال، بهدف تحقيق استقرار النظم بدلًا من إحداث تغيير تحويلي فيها.

وفي هذه المدونة، نستند إلى أبحاثنا في مختلف أنحاء العالم العربي، مستكشفين هذه التوترات من خلال دراستنا الجارية حول قدرة نظم التعليم في لبنان والأردن واليمن وتونس ومصر على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها، وكذلك من خلال مراجعتنا المكتبية المنشورة حديثًا حول هذه القدرة في نظم التعليم والموجز المصاحب لها. ويندرج هذا العمل تحت مبادرة المرصد المعني بصمود نظم التعليم التي تقودها الشراكة العالمية من أجل التعليم لتبادل المعرفة والابتكار (GPE KIX)، بالاشتراك مع المركز الدولي لبحوث التنمية (IDRC).

وتتمثل النتيجة الرئيسية التي توصلنا إليها في أن نموذج صمود نظم التعليم المعني خصيصًا بحالات الطوارئ، الذي تدعو إليه غالبًا وكالات التنمية وأطراف معنية أخرى، يميل إلى إغفال أشكال القدرة الجماعية على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها، ذات الجذور التاريخية العميقة، التي عملت المجتمعات على تنميتها عبر أجيال متعاقبة. وبدلًا من البناء على مفاهيم مثل الصمود، بوصفه تقليدًا سياسيًا موجَّهًا نحو العدالة قائمًا على العزم والثبات، فإن الإطار الحالي للقدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها وسياساته يطالبان الأنظمة التعليمية والمجتمعات بمجرد التكيف والامتصاص والتحمّل.

والعواقب عميقة. فقد أصبحت القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها إضافةً شكلية لطمأنة هواجس المانحين بدلًا من تلبية الطموحات المحلية. وضاق هامش القدرة على الفعل السياسي، وقلّص أفق الإصلاح، مما يحمل في طياته مخاطر إعادة إنتاج منطق مشروعات استعمارية سابقة من خلال فرض أطر خارجية تقمع السبل المحلية لتخيّل المستقبل وبنائه. وإذا أُريد للتعليم أن يستعيد دوره بوصفه منفعةً عامة تحويليّة وصانع للأمل، فلا بد من أن تُعاد بناء القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها على أساس تاريخ المجتمعات المعنية ونضالاتها وطموحاتها، لا أن تُختزل في مطلب إجرائي تفرضه وكالات المعونة والتنيمة الدولية من أجل “التخفيف من عبء” المعونة.

القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها: معنى محل خلاف

لفهم سبب أهمية ذلك، لا بد من النظر في كيفية تعريف القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها، والجهة المقدمة لهذا التعريف. وقد أظهر تحليلنا لاستراتيجيات وخطط تطوير التعليم التي أعدّتها وزارات التربية والتعليم في لبنان واليمن والأردن ومصر وتونس خلال السنوات الخمس عشرة الماضية أن خطاب السياسات الوطني غالبًا ما يستنسخ تصوّرات التنمية العالمية لمفهوم القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها، رغم ابتعاد هذه التصوّرات ابتعادًا واضحًا عن الفهم المتجذّر في السياقات المحلية.

فعلى الصعيد العالمي، ولا سيما لدى وكالات التنمية، تُعرَّف القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها بأنها قدرة الأفراد أو المجتمعات أو النظم على توقّع الأزمات وامتصاصها والتعافي منها. وفي مجال التعليم، يُؤطَّر بوصفه قدرة داخلية على التكيّف تمكّن المتعلمين والنظم من التعامل مع الاضطرابات مع اعتماد محدود على الدعم الخارجي.

ويضع هذا التأطير القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها في خانة الاعتماد على الذات والقدرة على التكيّف، وغالبًا ما يُجرِّد الأزمات من بعدها السياسي عبر التعامل معها كظواهر طبيعية أو حتمية، لا كنتائج لعدم المساواة البنيوية أو العنف أو علاقات القوة العالمية. ويؤدي ذلك، بصورة قاطعة، إلى التطبيع مع حالة الطوارئ الدائمة ويخفّف الضغط من أجل إصلاح الأنظمة.

ولننظر إلى حالة الأردن. تشير استراتيجية وزارة التربية والتعليم الأردنية لإدارة الأزمات والمخاطر 2023–2027 صراحةً إلى أنها صُمِّمت من أجل “مواكبة الاتجاهات العالمية والانسجام معها في التعامل مع الأزمات والكوارث من خلال نهج التخطيط الاستراتيجي” (ص. 7). وقد استُرشِد في إعداد الاستراتيجية بالتحالف العالمي للحد من مخاطر الكوارث وتعزيز القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها في قطاع التعليم (GADRRRES)، وهو منصة دولية تُعنى بتعزيز حقوق الأطفال والقدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها والاستدامة في التعليم، ما جعلها تتشكّل وفق أطر ومبادئ عالمية. ونتيجة لذلك، تعكس الخطة الوطنية تصوّرات دولية للصمود، لا تلك المنبثقة من فهم السياق المحلي. وهذا النهج في التعامل مع القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها يتناقض مع المفردات الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لمفاهيم التحمل والمقاومة مثل الصمود، التي تعكس المقاومة الجماعية والتضامن والنضال من أجل العدالة والتحرر. وفي حين يركز الخطاب العالمي على التكيّف (المرونة)، يركّز الصمود على التحوّل. ويؤدي خلط المفهومين إلى تجريد الواقع الإقليمي من طابعه السياسي المثقل بالاحتلال والاستعمار والاستبداد ويقلل من الفهم الطموح لما يجب أن يتيحه التعليم.

أهمية الصمود: البقاء أم الانتصار؟

لطالما ألهب الصمود، بمعنى العزم والثبات، الخيال السياسي في العالم العربي. والتمييز ليس لغوياً فحسب. الصمود لا يقتصر على البقاء؛ بل يتعلق بالمقاومة والكرامة والتحرر وبناء مستقبل عادل. وفي المقابل، فإن القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها، التي تشير في الكثير من الأحيان إلى المرونة، تكتفي بمطالبة النظام بالقدرة على الاستمرار تحت الضغط. ولا يتساءل عما إذا كان هذا الاستمرار يتوافق مع تطلعات المجتمع أو يحقق نتائج تعليمية مثمرة.

يقدِّم لبنان مثالًا كاشفًا. فوفقًا للمؤشرات الضيقة التي تفضّلها أطر القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها، تمكن النظام التعليمي اللبناني من البقاء في وجه الأزمات المركبة التي ضربت البلاد على مدار السنوات السبع الماضية. وبوجه عام، بقيت المدارس مفتوحة طوال فترة الانهيار الاقتصادي والشلل السياسي والنزوح الجماعي. وظل عدد الملتحقين من المواطنين ثابتًا إلى حد كبير. ولكن عند النظر إلى ما وراء المؤشرات الرئيسية، تتجلَّى صورة مختلفة للغاية. فقد انخفضت رواتب المعلمين؛ وتدهورت إمكانية حصول الأطفال اللبنانيين الأكثر فقرًا واللاجئين على التعليم؛ وظلت آليات الحوكمة هشة؛ وضاعت سنوات من التعلم. وتفاقمت أوجه عدم المساواة. فقد يوصف نظام ما على أنه “صامد” لتحمله الأزمات، لكن الحقيقة الواقعة هي واقع من الظلم العميق وتراجع جودة التعليم.

لصالح من تُبنى القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها؟

يزيد التركيز المتنامي على القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها في السياسات العالمية من طرح سؤال جوهري: القُدرة لصالح من، وبأي شروط؟ داخل قطاع التعليم، تؤطَّر القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها في المقام الأول من خلال منظور التعليم في حالات الطوارئ، بما يتماشى مع أولويات المانحين والدولة للإبقاء على عمل الأنظمة خلال ظروف الأزمات المطوَّلة. وفي ظل هذا المنطق، تُصبح القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها قدرة تقنية: القدرة على امتصاص الصدمات بدلاً من السعي إلى التغيير.

وفي تحليلاتنا لخطط التعليم الوطنية في الدول الخمس التي سبق ان ذكرناها، وجدنا أنها بدأت تعكس على نحو متزايد نماذج مشروعات المانحين: فهي أشبه بالمقترحات المُعدة للتمويل والإبلاغ أكثر من كونها رؤى جماعية متجذرة في تطلعات المجتمع. هذا “التحويل للخطط إلى مشروعات”، كما وصفها أحد خبراء التعليم — حيث تُختزل استراتيجيات التعليم إلى خطط مشروعات لصرف أموال التنمية — يُجرّد إصلاح التعليم من طابعه السياسي ويُعيد تأطير نُظم التعليم باعتبارها بُنى تحتية تقنية يجب تحسينها تحت الضغط. ويصبح التخطيط، في جوهره، أقل تركيزًا على المُستقبل المجتمعي وأكثر تركيزًا على إدارة اهتمامات المانحين.

استعادة التعليم لدوره في التغيير التحويلي

لتجاوز هذه القيود، يجب على نُظم التعليم في المنطقة أن تستعيد أسسها التحويلية. ويتطلّب التحول من القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها باعتبارها مُرونة (تكيفًا ومرونةً) إلى صمود يستند إلى العزم والثبات والعدالة. ويتيح الصمود للمجتمعات التعبير عن المُستقبل الذي ترغب فيه، وتحديد التغييرات الهيكلية اللازمة لتحقيقه، وجعل التعليم وسيلة للكرامة والتحرير والتصوّر الجماعي.

ببساطة، يجب أن يطمح التعليم إلى ما هو أكثر من المرونة؛ يجب أن يُنمّي التصوّر السياسي والقوة الجماعية اللازمين لبناء مُستقبل يليق بالشعوب التي يخدمها.

ويتطلّب النهج الأكثر رسوخًا للصمود ثلاثة تحولات:

أولًا، توسيع المشاركة لتشمل المعلمين/ات والمجتمعات والمجتمع المدني والمفكرين/ات المحليين/ات، وليس فقط وزارات الحكومة، يمكن أن يساعد في بناء فهم أشمل وأعمق للصمود.

ثانيًا، لغة القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها نفسها تحتاج إلى المزيد من التفكير. فإذا لم يجد مصطلح المرونة صدى على الصعيد المحلي، فلا داعي لفرضه. قد توفّر مفاهيم مثل الصمود، التي تحمل معنى سياسيًا واجتماعيًا وتاريخيًا في المنطقة، نقطة انطلاق أكثر أصالة.

ثالثًا، يجب أن يتجاوز نطاق القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها التأهّب لحالات الطوارئ لتشمل التنمية المُستدامة والمُنصفة من خلال الإصلاح الهيكلي طويل الأجل. وينبغي أن يدعم التخطيط الذي يُعزّز التطلّعات طويلة الأجل للمجتمعات، على أساس العدالة والمُساواة والكرامة، وليس مُجرَّد قدرتها على تحمّل الأزمات.

وكثيرًا ما يفترض مُجتمع التعليم العالمي أن نموذجه للصمود مفيدٌ بذاته. ويجب إعادة النظر في هذا الافتراض من خلال الحوار مع المُجتمعات ذاتها التي يُشكّل مُستقبلها. فبدون هذا التأمل والمراجعة المشتركة، تُخاطر القدرة على مواجهة الأزمات والتعافي من آثارها بأن تُصبح اجندة أخرى من ألاجندات المُوجَّهة من الخارج، بدلًا من أن تكون مشروعًا تحويليًا حقيقيًا يتماشى مع الإجندات المحلية.